أما من ناحية القانون الدولي الإنساني، فقد انضمت إلى اتفاقيات جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب والبروتوكولين الخاصين بالصليب الأحمر والهلال الحمر، وبشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، ولتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، ولتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في البحار.
حسين بن علي الهلالي - المدعي العام- يقول إن الحماية القانونية الواردة في قانون الجزاء لم تتجه نحو الأفعال المرتبطة بالبغاء فحسب، كما هو الحاصل في بعض التشريعات المقارنة، وإنما كفلت - إلى جانب ذلك- كل الأفعال المرتبطة بالعبودية.
ومع يقيننا التام بضرورة وجود قانون خاص بالموضوع وذلك مسايرة للإرادة الدولية، فإن غياب القانون حتى هذه اللحظة لا ينال من الحقوق الإنسانية الأساسية التي يرمي “البروتوكول” الدولي إلى حمايتها لوجود الحماية القانونية في قانون الجزاء، ومع ذلك نؤكد أن القانون الخاص في طريقه إلى الصدور في القريب المنظور.
ويؤكد الهلالي السعي في العمل مع كل من يمد يد المساعدة لاظهار صورة السلطنة أمام المجتمع الدولي بحجمها الطبيعي وبمعدنها الأصيل، دونما تشويه أو مغالطة، والحرص على تحقيق مبادئ حرية الإنسان التي تتوق إليها كل الشعوب.
السفير نايف بن عبيد السلامي من وزارة الخارجية يقول إن هذه الحلقة جاءت كمبادرة من وزارة الخارجية تأكيدا على أهمية نشر الوعي العام بهذه الظاهرة وتحقيقا لمسعى السلطنة الايجابي بضرورة مكافحتها، وقد اختير عنوانها “الوعي العام في مكافحة ظاهرة الإتجار بالبشر والمسؤولية الجماعية” ليحقق هذا المسعى ويحفز المسؤولية الوطنية الجماعية في إطار التعاون بين الحكومة والقطاعات الأخرى.
وقد أولت الحكومة اهتماما بالغا بالتعاون مع المجتمع الدولي، ورسخت هذا التعاون من خلال التزامها بالمواثيق الدولية وانضمامها إلى الاتفاقيات الدولية والمعاهدات الدولية ذات العلاقة بالتصدي لهذه الظاهرة ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وبروتوكولاتها الملحقة بها، وهي على مشارف الانتهاء من سن تشريع وطني خاص بمكافحة الاتجار بالبشر وتشكيل لجنة وطنية تعنى بهذا الأمر لتضيف بعدا آخر لجهودها في هذا الصدد، مشيرا الى إن المشاركة الكثيفة من الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني تؤكد أهمية الشراكة الإيجابية وتضافر الجهود بين القطاعات المختلفة وصولا للأهداف المبتغاة.
الظاهرة.. الاخطبوط
د. نهال فهمي - المستشارة الاقليمية لمكافحة الاتجار بالبشر لإقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- تقول إن جريمة الاتجار بالبشر هي عرض سيئ من العوارض السلبية لظاهرة “العولمة”.. ولها ظواهر مجتمعية عديدة تعاني منها أو من إحداها على الأقل جميع دول العالم بلا استثناء، فمفهوم الاتجار بالبشر واسع جدا، ويتطلب بالفعل “سعة تخيل” لاستيعاب ظواهره العديدة، فهو لا يقتصر فقط على الصور الأكثر شيوعا - مثل الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير- وإنما له صور أخرى عديدة مثل العمل القسري والاسترقاق، والعمل بالسخرة أو بعقد إذعان، وأيضا الزواج القسري ونزع الأعضاء البشرية والمتاجرة فيها، والتبني غير المشروع، وتسول الأطفال في الشوارع وعمالة الأطفال القسرية بكل صورها حسب طبيعة المجتمعات، وأخيرا تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة.
وتصف الظاهرة ب “الاخطبوط”، وأن التصدي لها يستلزم جهودا كبيرة من الحكومات، ومسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة.
وتقول: في اعتقادي ان الخطوة الأولى تبدأ بأن تحدد كل دولة لنفسها موقعها في مجال مكافحة الاتجار بالبشر.
هذا الموقع لن يتأتى تحديده بعبارات شجب هذه الجريمة اللاإنسانية، أو حتى بإنشاء لجان وطنية لمكافحة الإتجار بالبشر، أو عمل برامج تدريبية للعاملين في هذا المجال، وإنما في بذل كل الجهد الممكن في العمل على توفير وإيجاد بيانات محددة ذات طبيعة إحصائية يغلب عليها الطابع العلمي عن جهود الدولة في هذا المجال.
وتقول الدكتورة نهال : هذه تحديدا هي مهمتي في إطار مبادرة عربية صرفة هي مبادرة الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر، وذلك من خلال الإجابة عن الاستبيان المتعلق بالاستجابات الوطنية للمكافحة، على أن يتم تحليل بياناته ثم كتابة تقرير إقليمي عن الإقليم يحتوي على نص مخصص لكل دولة، موضحة أن الدولة التي توفر بيانات سيكتب عنها، أما التي لم توفر فستكون غير موجودة في التقرير، وسنكتب أننا لم نتمكن من الحصول على بيانات عنها ليس لأننا لم نتصل بها بل لأنها هي التي لم توفر البيانات المطلوبة.
وعودة إلى الاستبيان ومحتواه وأهمية ذلك المحتوى الجزء الأول منه هو الجزء التشريعي.. وهو لا يخص الدول التي لديها تشريع خاص بالإتجار بالبشر فقط وإنما يخص أكثر تلك الدول التي ليس لديها هذا التشريع.
وإذا لم يكن لديها تشريعا خاصا عن الاتجار بالبشر فما القوانين التي تستخدمها لعقوبة جرائم الاتجار بالبشر لحين صدور التشريع الخاص؟ لأنه لا يعقل أن تقف الدولة مكتوفة الأيدي تجاه تلك الجرائم حتى يصدر بها التشريع.
وهذا يعني أن تبحث الدول في تشريعاتها وتستخرج منها كل ما يصلح أن يستخدم لمعاقبة هذه الجريمة، وهو ما يعتبر في الواقع تدريبا عمليا للدولة إذا تم عمله بعناية سوف يساعدها على استصدار قانون شامل يجمع كل التشريعات المشتتة في تشريع واحد خاص بالإتجار بالبشر، وهذا هو الجانب الاول.
والجانب الثاني: هو المتعلق ب “العدالة الجنائية”، أو بمدى “إنفاذ القانون” في جرائم الإتجار بالبشر، وهنا يكمن الجهد الكبر في توفير إحصائيات عن عدد الجرائم والاحكام الصادرة فيها؟ وكم منها تم التحقيق فيه؟ وكم منها تمت إحالته للمحاكم؟ وما جنسيات المجرمين أو من نطلق عليهم “الناقلون التجاريون”؟ وما إلى ذلك من بيانات من اختصاص الشرطة والادعاء العام والقوى العاملة أيضا.
هذه البيانات تعطي نوعا من تقييم الدولة لأدائها في مجال مكافحة هذه الجريمة من خلال إحصائيات بسيطة.
وبالطبع، فإن توفير هذه البيانات سيكون أيسر بكثير في حال وجود قانون خاص بالإتجار بالبشر، لكن العملية ليست مستحيلة على الدول التي ليس لديها هذا التشريع الخاص.
أما الجزء الثالث- والأخير- من الاستبيان والبيانات فيتعلق بمدى وقدر المساعدة التي توفر الدولة لضحايا تلك الجريمة وهو يركز على برامج الحماية وينظر بصورة خاصة إلى “مراكز إيواء ضحايا الإتجار بالبشر”؟ وكم عددها؟ وكم تبلغ طاقتها الاستيعابية؟ وهل استقبلت بالفعل ضحايا أم ضحايا من نوع آخر فقط؟ وهل في الدولة نظام أو آلية لإحالة الضحايا لمراكز الايواء أم لا؟ وما قدر التوعية عن وجود تلك المراكز باللغات التي تفهمها الضحايا المتوقعين، موضحة أن مثل هذه المراكز هي مرآة للجهد الصادق في مساعدة الضحايا ومكافحة تلك الجريمة، فبدون أماكن إيواء سوف يخشى الكثير من الضحايا مجرد الإبلاغ عن الجريمة خوفا من ترحيلهم، ولا يبقى أمامهم سوى الرضوخ والعودة إلى دائرة الاستغلال والاتجار بهم مرة أخرى.
وتشير الدكتورة نهال الى أن تلك البيانات سوف تستخدم في منتدى فيينا - الذي عقد قبل أيام -حيث تم استعراض جهود الدول، وتلك التي كانت قد أرسلت بياناتها حتى فبراير الجاري.
أما الاستخدام الثاني لتلك البيانات - وهو الأهم - فهو إنشاء قاعدة بيانات عالمية عن الإتجار بالبشر بالأمم المتحدة تستخدم كمصدر للمعلومات في كتابة تقرير عالمي سنوي عن هذه الظاهرة، والذي سيعد أبلغ رد على أي تقرير فردي آخر قد لا يرضى عنه الكثيرون، متوقعة من سلطنة عمان أن تكون من أوائل الدول استجابة لهذا الموضوع تقديرا لأهميته، خاصة أنها خطت خطوات عملية لم يتأخر اظهارها للعالم.
نتائج وتوصيات
حلقة العمل التي نظمتها وزارة الخارجية بالمعهد الدبلوماسي حول “مكافحة الإتجار بالبشر”، والتي حملت عنوان “الوعي العام لمكافحة ظاهرة الإتجار بالبشر والمسؤولية الوطنية الجماعية”، والتي تعد الاولى التي تتناول هذه الظاهرة على المستوى المحلي طرحت خلال يومين عدة اوراق عمل عالجت هذه الظاهرة من الناحية القانونية والتشريعية، مع استعراض لجهود السلطنة للتصدي لهذه الظاهرة.
شارك في هذه الحلقة- إضافة إلى الجهات المعنية التي لها علاقة مباشرة بمكافحة ظاهرة الإتجار بالبشر والجمعيات الأهلية - وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وهو ما يؤشر إلى الشفافية في طرح هذه القضية.
انتهى المشاركون الى ثلاث توصيات، أولها - أن مشروع قانون منع الإتجار بالبشر يتواءم مع المعايير القانونية الوطنية والإقليمية والدولية، كما ناقشت بعض التعديلات التي يمكن أن ترد على المشروع، لكن تزيد من فعالية الإجراءات الحمائية التي تنص عليها حماية ضحايا الإتجار بالبشر، أوصى المشاركون بالإسراع في سن التشريع الوطني الخاص بمنع الإتجار بالبشر، خاصة أن السلطنة قد صدقت على بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع معاقبة الإتجار بالأشخاص خاصة النساء والأطفال، حيث تلزم المادة الخامسة الدولة المصدقة بإصدار تشريع خاص يجرم فعل الإتجار بالبشر.
والتوصية الثانية - العمل بأن تواكب الحركة التشريعية إجراءات احترازية لمنع وقوع الإتجار بالبشر في السلطنة وتدابير حمائية لحماية ضحايا الإتجار بالبشر، خاصة تدريب كافة المعنيين بتطبيق وتنفيذ قانون الإتجار بالبشر، وضرورة تفعيل دور الإعلام في تناول هذه الظاهرة والتي تمثل اخلالاً بحقوق الإنسان، والعمل على إدراج مادة الإتجار بالبشر ضمن مواد حقوق الإنسان في مناهج التعليم العام والجامعي، وعقد دورات مماثلة تتبناها جهات أخرى ذات العلاقة بمكافحة هذه الظاهرة.
والثالثة - اعداد قاعدة بيانات ترصد ظاهرة الإتجار بالبشر والجهود الحكومية المبذولة لمواجهتها.
http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=483324